الصالحي الشامي
46
سبل الهدى والرشاد
ابن القيم : فيكون المعنى : ما كذب فؤاده رؤيته ، وعلى التقديرين فهو إخبار عن تطابق رؤية القلب لرؤية البصر وتوافقهما ، وتصديق كل واحد منهما لصاحبه ، وهذا ظاهر في قراءة التشديد . وقد استشكلها طائفة منهم المبرد ، وقال في هذه القراءة بعد ، لأنه إذا رأى بقلبه فقد علمه أيضا بقلبه ، وإذا وقع العلم فلا كذب معه ، فإذا كان الشئ في القلب معلوما فكيف يكون معه تكذيب ؟ والجواب عن هذا من وجهين : أحدهما : أن الرجل قد يتخيل الشئ على خلاف ما هو به فيكذبه قلبه ، إذ يريه صورة المعلوم على خلاف ما هي عليه كما تكذبه عينه ، فيقال كذبه قلبه وكذبه ظنه وكذبته عينه ، فنفى ذلك سبحانه وتعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخبر أن ما رآه الفؤاد كما رآه ، كمن يرى الشئ على حقيقة ما هو به ، فإنه يصح أن يقال لم تكذبه عينه . الثاني : أن يكون الضمير في ( رأى ) عائد إلى الرائي لا إلى الفؤاد ، ويكون المعنى : ما كذب الفؤاد ما رآه البصر ، وهذا بحمد الله لا إشكال فيه ، والمعنى : ما كذب الفؤاد بل صدقه ، وعلى القراءتين فالمعنى : ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم ير ولا اتهم بصره ) . انتهى . اللباب تبعا للامام الرازي : ( ويجوز أن يكون فاعل ( رأى ) ضميرا يعود على الفؤاد [ أي ] لم يشك قلبه فيما رأى بعينه ) . قال الزمخشري : [ ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم ما رآه ببصره من صورة جبريل عليه السلام ، أي ما قال فؤاده ، لما رآه : لم أعرفه ولو قال ذلك كان كاذبا ، لأنه عرفه ، يعني أنه رآه بعينه وعرفه بقلبه ولم يشك في أن ما رآه حق ] . فما كذب الفؤاد ، هذا على قراءة التخفيف ، يقال كذبه إذا قال له الكذب ، وأما على قراءة التشديد فمعناه : ما قال إن الذي رآه كان خفيا لا حقيقة له . وأما الرائي فقيل هو الفؤاد كأنه تعالى قال : ما كذب الفؤاد ما رآه الفؤاد ، أي لم يقل إنه جن أو شيطان ، بل تيقن أو ما رآه بفؤاده صدق صحيح . وقيل الرائي هو البصر أي ما كذب الفؤاد ما رآه البصر ، ولم يتدارك أن ما رآه البصر خيال . ويحتمل أن تكون ( أل ) للجنس أي جنس الفؤاد ، ويكون المعنى : ما كذب الفؤاد ما رأى محمد صلى الله عليه وسلم ، أي شهدت ا لقلوب بصحة ما رآه محمد صلى الله عليه وسلم . واختلفوا في المرئي ما هو ؟ فقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه حلتا رفرف أخضر قد ملا ما بين السماء والأرض . رواه الفريابي والترمذي وصححه . وقيل رأى الآيات العجيبة . وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : رأى ربه بفؤاده مرتين ، رواه مسلم وغيره . وسيأتي الكلام على رؤية الله تعالى في الباب الثالث . السادس عشر : في الكلام على قوله تعالى : ( أفتمارونه على ما يرى ) . [ النجم : 12 ] .